مروان وحيد شعبان

96

الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث

الأحوال التي يتصرف فيها ، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى ، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ، ووقف دونه ، وبان الاختلاف على شعره وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم ، وبديع التأليف والرصف ، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا ، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا ، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة ، فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف . ومعنى رابع وهو : أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بيّنا في الفصل والوصل ، والعلو والنزول والتقريب والتبعيد ، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع ، ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره ، والخروج من باب إلى سواه ، حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع جودة نظمه وحسن وصفه في الخروج من النسيب إلى المديح ، وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتي فيه بشيء ، وإنما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضي وتنقل يستحسن ، وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء والتحول من باب إلى باب ، ونحن نفصل بعد هذا ، ونفسر هذه الجملة ، ونبين أن القرآن على اختلاف فنونه ، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة ، والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف ، والمتباين كالمتناسب ، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد ، وهذا أمر عجيب تبين به الفصاحة ، وتظهر به البلاغة ويخرج معه الكلام عن حد العادة ، ويتجاوز العرف . ومعنى خامس وهو : أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن ، كما يخرج عن عادة كلام الإنس ، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ، ويقصرون دونه كقصورنا ، وقد قال اللّه عز وجلّ : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » فإن قيل هذه دعوى منكم وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن الإتيان بمثله وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله ، وإن كنا عاجزين كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة وأسباب غامضة دقيقة لا نقدر نحن عليها ، ولا سبيل لنا للطفها إليها ، وإذا كان كذلك لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل ؟ قيل : قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر اللّه عز وجلّ ، وقد

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 88 .